المامقاني

194

غاية الآمال ( ط . ق )

فمع تحقق بيع اللَّحم بالحنطة لا يعقل شراء تلك الحنطة المأخوذة ثمنا لدخولها في ملكه بعنوان العوضيّة والثّمنية فلا يعقل شراؤها ( حينئذ ) نعم لو كانت هناك أشياء أربعة لوحظ بيع أحدها بالآخر ولوحظ شراء الثالث بالرابع كان تحقق البيع والشّراء ( حينئذ ) معقولا والَّا فلا فتحققهما بالنّسبة إلى شيئين أحدهما عوض والأخر معوّض غير معقول فحال تحقق مفهوم البيع بالنّسبة إلى اعتبار العوض ليس الا مثل مفهوم الأب بالنّسبة إلى الابن وبالعكس ودعوى انّهما لما كان لا يصحّ وقوعهما في حال واحد حقيقي فلا بد من وقوعهما في حال عرفي غاية ما في الباب أن يكون المؤثر في الواقع هو السّابق حقيقة واضحة السّقوط ضرورة عدم تحقق معنى للبيع بدون الثّمن فيستحيل تحققه بدنه والا لخرج الشيء الَّذي هو مفهوم البيع عمّا هو عليه ومع تحقق بيع شيء بآخر لا يعقل شراء الأخر به بإنشاء واحد ولو عرفا ومع فرض كون السّابق مؤثر الا يبقى وجود للآخر لانّ وجود الأخر أيضا عبارة عمّا كان مؤثّرا للنّقل فمع فرض عدم التّأثير لا وجود لذلك المفهوم ودعوى تصحيح ما ذكره ذلك البعض بان القبول لما كان مؤخرا عنهما ولا يتم شيء منهما قبل القبول فلذلك صحّ من الموجب إنشاء البيع والشراء دفعة كما صدرت منه لا وجه لها لعدم قابليّة أصل المفهوم فتدبّر فان قلت إذا كان معنى البيع هو التّمليك بعوض فمن يقول بعت اللحم بالحنطة يصير معنى كلامه أعطيت اللحم وأخذت الحنطة فهو مشتمل على أخذ ضمني قد أبرزه من قال بعت اللحم بالحنطة واشتريتها به فبهذا الاعتبار يكون بايعا ومشتريا قلت هذا واضح الفساد لان ذلك المعنى الضّمني الَّذي أبرز لو كان معنى يعبر عنه بالشّراء كان اللازم تحقق كون كل منهما بايعا ومشتريا بمجرد قوله بعت كذا بكذا مع قول الأخر قبلت البيع ضرورة أنّ الإبراز لا يجعل ما لم يكن مؤثرا قبل مؤثرا بالفعل فعلى هذا يسرى تحقق كونه بايعا ومشتريا في جميع افراد البيع هذا ولا يخفى عليك ان ما أوردناه على ذلك البعض من النظر في كون إنشاء واحد بيعا وشراء بل المنع منه ليس واردا على ( المصنف ) ( رحمه الله ) حيث جعل أحد الوجوه الأربعة كونه بيعا وشراء وذلك لان مبنى كلامه ( رحمه الله ) غير ما جعله ذلك البعض مبنىّ فإنه ( رحمه الله ) بنى صدق البيع والشراء على التعريفين اللَّذين وقع كلّ منهما في كلام بعض أهل اللَّغة أحدهما تعريف البيع والأخر تعريف الشراء فصدقهما على إنشاء واحد انّما هو باعتبار تعريفيهما فافهم ثمّ ان بعض المعاصرين بعد ان حكى كلام ( المصنف ) ( قدس سره ) فذكر الصّور الأربع التي قررها والوجوه الأربعة الَّتي أجراها في الصّورتين الأخيرتين ذكر ما لفظه ولعل هذه الوجوه جارية فيها يعني المعاطاة مع كون مجموع العوضين منهما يعنى من الدراهم والدّنانير أيضا لاتحاد المناط وقد ( يقال ) بأن الَّذي يساعد عليه العرف واللَّغة والشّرع ان الموجب هو البائع والقابل هو المشترى ( مطلقا ) وان كان أحد العوضين من الدّراهم ونحوها على نحو البيع بالصّيغة فإن تميّز ذلك ولو بالقرائن فلا اشكال والا فلا يبعد كون الدّافع أولا موجبا والقابض ( كذلك ) قابلا ( مطلقا ) أيضا وان اقترن الدّفع والقبض منهما للعوضين معا فلا مرجع الا إلى قصدهما فلو لم يقصدا ذلك أصلا ففي صحّتها اشكال بناء على انّها بيع كما هو محط النظر فتدبر هذا ووجه الوجه الأوّل ان تم فهو جار في الصّورتين الأوليين أيضا والفرق بينهما وبين الأخيرتين لا ( يخلو ) من تحكم وغلبة كونها ثمنا من القابل الَّذي هو المشترى غير قاضية بكون صاحبها ( مطلقا ) وان كان دافعا أولا قابلا لا عرفا ولا لغة بل قد ( يقال ) بجريان وجه باقي الوجوه فيهما أيضا ( فتأمل ) جيدا انتهى ويعرف ممّا قدّمنا صحيحة وسقيمه فتدبر الأمر الرابع [ أقسام المعاطاة بحسب قصد المتعاطيين ] قوله أحدها ان يقصد كل منهما تمليك ماله بمال الأخر أراد ( قدس سره ) بهذا القسم ما لو كانت المقابلة بين المالين دون التمليكين كما هو مناط الوجه الثاني كما ستعرفه ثمّ ان هذا العنوان يتصوّر على وجوه لأنه امّا ان يقصد كلّ منهما الإنشاء بإعطائه ودفعه فينشئ الأوّل به تمليك ماله بإزاء مال الأخر وينشئ الأخر ( أيضا ) بدفعه وإعطائه تمليك ماله بإزاء مال الأوّل واما ان يقصد الأوّل بإعطائه إنشاء تمليك ماله بإزاء مال الأخر فيقصد الأخر بأخذه مال الأوّل قبول ذلك المال وتمليك مقاله بإزائه وهذا هو الَّذي قصد ( قدس سره ) بيانه هنا ولم يتعرض للأوّل وكان إهماله لوضوحه ثمّ انّه على كل من التقديرين أمّا أن يكون من قصدهما خصوص التمليك الحاصل بالبيع بان يقصد البيع أو يكون من قصد كل منهما مجرّد المقابلة بين المالين ( مطلقا ) على وجه التّمليك ( مطلقا ) من دون تقييد بخصوص قصد البيع ويحصل من ملاحظتهما مع الأولين أقسام أربعة أمّا القسم الأوّل المقصود به البيع فهو المعاطاة المتعارفة التي قد عرفت انّها بيع وامّا القسم الأوّل المقصود به مجرّد المقابلة بين المالين من دون قصد إلى خصوص البيع بل إلى مطلق التّمليك فتوضيح المقال فيه انه لم يثبت شرعية مثل هذه المعاملة لعدم دليل على ذلك لان الثابت من العمومات والأدلة انّما هي الإشارة إلى العنوانات الخاصّة المعهودة وظاهر كلمات الفقهاء ( رضي الله عنه ) انه لا بدّ من قصد العنوان في كلّ نوع من أنواع العقود ففي البيع لا بدّ من قصد البيع وفي الإجارة لا بد من قصد الإجارة وفي الصّلح لا بدّ من قصد الصّلح وهكذا فلا يقع شيء من أنواع المعاملات الا بعد قصد ذلك النّوع بخصوصه وهذا ان لم يقم عليه دليل بخصوصه كالإجماع مثلا ان أمكن تحصيله أو كونه المتبادر من العمومات فلا أقل من كونه هو القدر المتيقن ممّا ثبت في الشرع وان غيره لم يثبت فينفيه الأصل ولكن منهم من حكم بالصحّة وهو مبنىّ على وجوه أحدها ما يظهر من ( المصنف ) ( رحمه الله ) في تعريف البيع بل هو صريحه من انّ تمليك عين بعوض لا يكون الا بيعا فهو هو لا يتعداه إلى غيره ولذا عرف البيع بأنه إنشاء تمليك عين بمال ثمّ قال نعم يبقى عليه أمور منها انه موقوف على جواز الإيجاب بلفظ ملكت والا لم يكن مرادفا له ويردّه انّه الحقّ كما سيجيء وقال هناك بعد التّعرض للهبة المعوّضة ما لفظه فقد تحقق ممّا ذكرنا ان حقيقة تمليك العين بالعوض ليست الَّا البيع فلو قال ملكتك كذا بكذا كان بيعا ولا يصحّ صلحا ولا هبة معوّضة وان قصدهما إذا التّمليك على جهة المقابلة الحقيقيّة ليس صلحا ولا هبة معوضة فلا يقعان به إلى أن قال فما قبل من أن البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض فيقدم على الصّلح والهبة المعوّضة محلّ تأمّل بل منع لما عرفت